الشيخ محمد النهاوندي

491

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أفسد مذهبا ، هم أم محمّد والمؤمنون به الذين يدّعون أنّهم في ضلال عن الحقّ ؟ وفيه دلالة على أنهم لم يكونوا على حجّة في مذهبهم الباطل ، وإنما عارضوه بمحض الجحود والتقليد واللّجاج الذي هو دأب الجهّال . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 43 إلى 44 ] أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 ) ثمّ أنّه تعالى بعد الحكم بضلالهم ، وتهديدهم بالعذاب ، زيّف مذهبهم بأنّه في الحقيقة عبادة هوى أنفسهم وشهوتهم لا إطاعة حكم عقولهم بقوله : أَ رَأَيْتَ يا محمّد مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ ومعبوده هَواهُ وشهوة نفسه ، وهل تعجّبت من حمق من بني أمر دينه على ميل طبعه ، فكلّما دعاه هواه إليه انقاد له ، سواء منع عنه العقل السليم أم وافقه . قيل : إنّ قوما من العرب كانوا يعبدون الحجر ، وإذا رأوا حجرا أحسن شكلا ولونا من غيره سجدوا له « 1 » . وعن سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم ، فإذا رأى أحسن منه رماه واتّخذ الآخر وعبده « 2 » . وعن ابن عباس : الهوى إله يعبد « 3 » . وفي الحديث : « ما عبد إله أبغض على اللّه من الهوى » « 4 » . ثمّ آيس سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله عن هدايتهم لأن لا يتعب نفسه الشريفة في دعوتهم بقوله : أَ فَأَنْتَ يا محمد ، ببذل جهدك في دعوتهم تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا وحفيظا تحفظهم من اتّباع الهوى وعبادة الأصنام ، لا لا تكون حافظا لهم إلّا بالإجبار الذي ليس لك ، بل إنّما أنت منذر ، وقد قضيت ما عليك . وقيل : إنّ المراد إنكار كونه صلّى اللّه عليه وآله حفيظا لهم من العذاب بإتعاب نفسه في دعوتهم « 5 » . ثمّ نفى سبحانه عنهم أهلية الهداية بقوله : أَمْ تَحْسَبُ وتتوهّم أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ حججك وإنذارك ومواعظك أَوْ إذا سمعوها يَعْقِلُونَ ويتفكّرون فيها ، ولذا تطمع في إيمانهم ، وتهتّم في دعوتهم ، لا تتوهّم ذلك إِنْ هُمْ وما هؤلاء إِلَّا كَالْأَنْعامِ والبهائم في العزاء من السمع والعقل بَلْ هُمْ أَضَلُّ وأبعد من البهائم سَبِيلًا وطريقا إلى الرشاد ، لأنّها تنقاد لمن يقودها إلى ما فيه خيرها ، وتطلب نفعها ، وتجتنب عمّا فيه ضرّها ، وتعرف من يحسن إليها مع عرائها عن العقل ، وهم

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 217 . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 24 : 86 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 217 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 6 : 221 .